ابن كثير
427
السيرة النبوية
وإنا لفي جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة ( 1 ) ، فأقبلت سحابة ، فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل ، وسمعنا قائلا يقول : أقدم حيزوم : فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، وأما أنا لكدت ( 2 ) أن أهلك ثم انتعشت ( 3 ) بعد ذلك . وقال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بنى ساعدة ، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ، وكان شهد بدرا ، قال ، بعد أن ذهب بصره : لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى . فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم : " أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا " . وتثبيتهم : أن الملائكة كانت تأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له : أبشروا فإنهم ليسوا بشئ والله معكم ، كروا عليهم . وقال الواقدي : حدثني ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان الملك يتصور في صورة من يعرفون فيقول : إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون : لو حملوا علينا ما ثبتنا . ليسوا بشئ . إلى غير ذلك من القول . فذلك قوله : " إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا " الآية . ولما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال : " إني برئ منكم ، إني أرى ما لا ترون " وهو في صورة سراقة . وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه . ثم قال : واللات والعزى لا نرجع حتى تفرق محمدا وأصحابه في الجبال ، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا .
--> ( 1 ) ابن هشام وأبو نعيم : الدبرة . ( 2 ) ابن هشام وأبو نعيم : فكدت . ( 3 ) ابن هشام وأبو نعيم : ثم تماسكت .